الشيخ السبحاني
24
الشفاعة في الكتاب والسنة
والمالكية والرازقية ، وتوفّي الأرواح والعلم بالغيب والإشفاء باللَّه سبحانه ، كما عليه أكثر الآيات القرآنية ، بينما تنسب هذه الأفعال في آيات أُخرى إلى غير اللَّه من عباده . فكيف ينسجم هذا الانحصار مع هذه النسبة ؟ غير أن الملمّين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أنّ هذه الأُمور على وجه الاستقلال والأصالة قائمة باللَّه سبحانه ، مختصة به ، في حين أنّ هذه الأُمور تصدر من الغير على وجه التبعية وفي ظل القدرة الإلهية . وقد اجتمعت النسبتان في قوله تعالى : « وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى » ( الأنفال / 17 ) . فهذه الآية عندما تنسب الرمي بصراحة إلى النبي الأعظم ، تَسْلِبه عنه وتنسِبه إلى اللَّه سبحانه ، ذلك لأنّ انتساب الفعل إلى اللَّه ( الذي منه وجود العبد وقوّته وقدرته ) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد ، بحيث ينبغي أن يعتبر الفعلُ فعلًا للَّه ، ولكن شدّة الانتساب لا تسلب المسؤولية عن العبد . وعلى ذلك فإذا كانت الشفاعة عبارة عن سريان الفيض الإلهي ( أعني : طهارة العباد عن الذنوب وتخلّصهم عن شوائب المعاصي ) على عباده ، فهي فعل مختصّ باللَّه سبحانه لا يقدر عليه أحد إلّا بقدرته وإذنه . وبذلك تصح نسبتُه إلى اللَّه سبحانه بالأصالة وإلى غيره بالتبيعة ، ولا منافاة بين النسبتين ، كالملكية ، فاللَّه سبحانه مالك الملك والملكوت ، ملك السماوات والأرض بإيجاده وإبداعه ، ثمّ يملكه العبد منه بإذنه ولا منافاة في ذلك ، لأنّ الملكية الثانية على مدى الملكية الأُولى . ونظيرها كتابة أعمال العباد ، فالكاتب هو اللَّه سبحانه ، حيث يقول : « وَاللَّهُ يَكْتُبُ